يحيي بن حمزة العلوي اليمني
196
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الضرب الأول منها ما ورد في القرآن وهذا كقوله تعالى في قصة إبراهيم : قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ [ الأنبياء : 62 ، 63 ] فإنما أورد إبراهيم صلوات الله عليه هذا الكلام على جهة التهكم والاستهزاء والسخرية بعقولهم ، وذلك يكون من وجهين ، أحدهما أنه لم يرد نسبة الفعل إلى كبير الأصنام ، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على رمز خفى ، ومسلك تعريض ، يبلغ به إلزام الحجة لهم ، والتسفيه لحلومهم ، كأنه يقال يا ضعفاء العقول ويا جهال البرية ، كيف تعبدون ما لا يجيب إن سئل ، ولا ينطق إن كلم وتجعلونه شريكا لمن له الخلق والأمر ، فوضع قوله : فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ( 63 ) موضع هذا ، ونظير هذا لو أحضر عدليّ وجبرىّ للمناظرة ، فلما تقابلا للإفحام قام العدلى فلطم الجبري لطمة شديدة ، فقيل للعدلى من فعل هذا ، فله أن يقول فعله الله فوضع قوله : فعله الله ، موضع إلزام الحجة وقطع الخصومة للجبرى ، فهكذا قول إبراهيم عليه السلام : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ . وثانيهما أن يقال : إن كبير الأصنام غضب لما عبد معه غيره من هذه الأصنام الصغار ، فكسرها على جهة التخيل والتمثيل ، وغرض إبراهيم بذلك أن يعرض بهم في كونهم قد أشركوا في العبادة من هو دون الله ، وأن من دونه مخلوق حقير من مخلوقاته ، فوضع هذا الكلام لفاحش ما أتوا به وعظيم ما تلبسوا به من عبادة غير الله ، ومن ذلك قوله تعالى : فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ( 37 ) [ هود : 27 ] فهذه الآية كلها موضعها في قصدهم واعتقادهم موضع التعريض بأنهم أحق بالنبوة ، وأن نوحا لم يكن متميزا عليهم بحالة يجب لأجلها أن يكون نبيا من بينهم فقالوا : لو أراد الله أن يجعل النبوة في أحد من البشر ، لكانوا أحق بها دونه . والتعريض في القرآن وارد كثيرا بأحوال الكفرة في التهكم والنقص وإسقاط المنزلة وحط القدر ، ومواضعها دقيقة تستخرج بالفكر الصافي ، والرسوخ في قدم البلاغة .